محمد راغب الطباخ الحلبي
61
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وكان المرحوم رأسا في جميع العلوم مستجمعا لشروط الفضائل ، وجامعا لعلوم الأواخر والأوائل ، يرغم في الرياضيات أنوف الرؤوس ، ويحاكي في الطب أبقراط وجالينوس ، وكان صاحب فنون غريبة قادرا على أفاعيل عجيبة ، ماهرا في وضع الآلات النجومية والهندسية ، كالربع والأسطرلاب وسائر الأسباب . وكان رحمه اللّه مظنة علم الكاف وعلم الزايرجة بلا خلاف . وكان مشهورا بالمحل في التعليم والإفادة لأرباب الطلب والاستفادة ، ولم يقبل مدة عمره وظيفة السلطان ، وقطع حبال الأماني من أرباب العزة بقدر الإمكان ، وكان يكتسب بطبابته ويقتات بهدايا تلامذته ، وكان يلبس لباسا خشنا وعمامته صغيرة ، ويقنع من القوت بالنزر القليل والأمور اليسيرة . وكان رحمه اللّه ينظم الأبيات أعذب من ماء الفرات . وقال في قافية الطاء مادحا لبعض الفضلاء وأظنه المولى صالح بن جلال عند كونه قاضيا بحلب : دعائي فلا يحصيه عدّ ولا ضبط * وشكري لكم دوم فما كان ينحطّ وأثني جميلا ثم أهدي تحية * لطيب شذاها يطلب العود والقسط فباح بها مسك وفاح بعطرها * وفي وجنة للورد منها أتى قسط إلى حضرة أحيا الأنام بعلمها * وبان بها حكم الشريعة والشرط فلا مطلب إلا ذراها نعم ولا * رحال لذي عزم إلى غيرها تخطو لقد جد أقوام وضاهوا بمثلها * فدون أمانيها القتادة والخرط فكم من كبير قد جبرت لحاله * وفكيت مأسورا أضر به الربط وكم من أياد قد أناخت لكاهل * وما كادت الأقدام من حملها تخطو سبقت إلى الفضل السراة فما لهم * من الجهد إلا دون عزمك قد حطّوا علوت إلى أن جئت بالشهب منطقا * فسارت به الأمثال والعرب والقبط جمعت لأنواع العلوم فلا نرى * لمثلك فردا في الفنون له ضبط لعمري من يوم أرى فيه للعدا * كمودا وقد صاروا وقد ساءهم سخط جواد له جود تراه على الرضى * وإلا تمنى أن فارسه سقط فتلك أمانيهم وأحلام كاذب * فهل ثم عقبان يروّعها البسط سلوا علماء الخافقين وفتية * بسمر القنا في الجانبين لهم شرط فهل كانت الأنعام تأوي لبقعة * أقام بها ليث وفيها له سبط